رحلة دار الآثار الإسلامية إلى المملكة المغربية2017-09-27T14:20:58+00:00

Morocco 2009 Carpets in Marrakech

رحلة دار الآثار الإسلامية إلى المملكة

في الفترة ما بين 26 مارس و 2 إبريل، كان أصدقاء الدار في رحلة استكشافية إلى المملكة المغربية. وفيما يلي مقتطف من تقرير عن الرحلة كتبته د. مشاعل الهاجري، إحدى المشاركات فيها.

“بدأنا بجولة قصيرة في منطقة السوق التي تموج بالحيوية داخل المدينة المحصنة القديمة في الدار البيضاء، ثم قمنا بجولة في شارع فيكتور هوغو الذي تحف به الأشجار، ويؤدى إلى القصر الملكي في حي حابوس، ومن هناك انطلقنا إلى ميدان محمد الخامس. كان باعة الماء هم أكثر ما شد انتباهنا هناك بثيابهم الحمراء الزاهية وقبعاتهم التي تتدلى منها الحواشي والحليات النحاسية. لقد كان منظرهم  رائعا.

 من حسن حظنا أننا وصلنا إلى مسجد الحسن الثاني قبل صلاة الجمعة. ويعد هذا المسجد ثالث مساجد العالم اتساعا، كما يضم واحدة من أطول المآذن في العالم.

كانت محطتنا الثانية في الرباط، حيث مقر الأسرة الحاكمة، وهي العاصمة الإدارية للمملكة المغربية منذ استقلالها في العام 1956م. إنها مدينة مفعمة بالحيوية، تجمع بين التاريخ الإسلامي القديم والثقافة العالمية الحديثة، وتشبه كثيرا المدن الأوروبية.

توقفنا أولا عند القصر الملكي بحدائقه الأندلسية وبواباته ذات الزخارف المعمارية الدقيقة، وحراسه بأزيائهم الأنيقة الزاهية.. إنه حقا قصر ساحر، قمنا بزيارة ضريح محمد الخامس الذي ينطق بالسكينة، حيث يرقد جد الملك الحالي ووالده وعمه. يجاور هذا الضريح برج الحسن الذي يحتل مساحة 44 مترا، وهو عبارة عن مئذنة عملاقة تمثل ما تبقى من مسجد كبير تم بناؤه في حوالي العام 1200م، ودمره زلزال في العام 1755م.

توجهنا بعد ذلك إلى قصبة الاوداية، حيث أقدم المساجد في الرباط والذي بني في حوالي العام 1050م. لقد كان التجول مشيا ممتعا بين حواري القصبة الضيقة الملتوية التي تتميز بنظافة ملفتة. وفي شرفة واسعة لإحدى المقاهي المحلية، وقد امتد أمامنا المحيط الأطلنطي، جلسنا نحتسي الشاي الأخضر المغربي الشهير، واستمتعنا بحلوى اللوز التقليدية التي يشتهر بها المقهى. وختمنا زيارتنا بنزهة بين حدائق الاوداية الخضراء.

تجولنا بعد ذلك، مشيا على الأقدام أيضا، في منطقة المدينة القديمة بالرباط التي تعج بالناس، ويحيط بها البحر، ونهر بو رجراج، والأسوار الأندلسية. أما سوقها، فيعبر عن الروح المغربية الأصيلة، بما يعرضه من بضائع غريبة تثير الشعور بالبهجة والطرافة، منها البخور، والمشغولات اليدوية، والطيور، والقواقع، والسلاحف البحرية، إلى جانب قصص الكارتون الفرنسية الخ… وكل ما تشتهيه النفس.

تقع مدينة مكناس في السلسلة الوسطى لجبال أطلس،حيث كانت محطتنا التالية، وهي المدينة التي بناها السلطان الأسطورة مولاي إسماعيل الإدريسي في القرن11م، عاصمة لملكه. ولعل من أكثر ما يجذب الزائر في مكناس، بواباتها التي تشهد على عظمتها كعاصمة ملكية لمملكة المغرب. ومن أمثلة هذه الروعة المعمارية، باب المنصور الضخم الذي يطلق عليه أيضا باب العلج، ويعتقد أنه بني على يد مهندس مسيحي سجين اعتنق الإسلام.

قمنا بعد ذلك، بزيارة مولاي إسماعيل، العاصمة الإسماعيلية، التي تقع على بعد  27 كم من مكناس. وفوجئنا، ونحن مبهورون بالزخارف الغنية على الجدران، بوجود رموز الديانات الإبراهيمية الثلاث وقد نفذت بالفسيفساء في إحدى الحشوات، فتجد المثمن من عالم الإسلام، والصليب المسيحي، وخاتم سليمان اليهودي (نجمة داود)، وكأنها رسالة من مولاي إسماعيل يبعثها من قبره إشادة بأهمية التسامح الديني.

لقد وضعت هيئة اليونسكو حفائر وليلي الأثرية على خريطة التراث العالمي. وتعود هذه الآثار إلى القرن 3 ق.م، وهى من أكثر الآثار حفظا في المغرب. وقد اعتبر معظمنا أن أنها بمثابة قوس النصر الذي شيد تكريما للإمبراطور الروماني كاراكالا، وهي من أعظم الآثار في تلك المنطقة.

تعتبر مدينة فاس من أقدم المدن الملكية وأكثرها مهابة، وقد تأسست في العام 789 م. فمن الملامح المميزة لهذه المدينة، تركيبتها السكانية المتنوعة، حيث كانت ملاذا للبربر المسلمين واليهود الذين طردوا من قرطبة على يد الأسبان. ويدخل جزء كبير من تلك المدينة ضمن المواقع التي أعلنتها هيئة اليونسكو من التراث العالمي.

لقد كانت أكثر الأنشطة إثارة في جولتنا هي زيارة مدابغ الجلود قرب مسجد القرويين. توجهنا مسلحين بباقات من النعناع قرب أنوفنا لنغطى على الرائحة المنبعثة من المدابغ، إلى متجر للجلود، ثم تسلقنا بشجاعة السلالم الضيقة اللانهائية باتجاه الشرفة المطلة على أقدم المدابغ في العالم ، وكان المنظر مذهلا. شاهدنا مجموعة من الأواني الحجرية تشبه خلية النحل، تحوى أصباغا طبيعية متعددة الألوان، بينما كان الحرفيون منشغلين بدبغ وصباغة جلود الأبقار والغنم، في منظر مطابق تماما لما كان عليه الحال منذ القرن 11 م، مستخدمين الطرق اليدوية ذاتها التي ظلت مطبقة منذ قرون عدة.

كانت مراكش هي المحطة التالية لنا، وقد مرت بنا الحافلة على عدة قرى جبلية، منها إفران التي تقع على ارتفاع 1650 مترا فوق سطح البحر، ويطلق عليها سويسرا الصغيرة. هذه المحطة الجبلية تشبه المنتجعات الموجودة في جبال الألب، حيث تتناثر مراكز التزلج في الجوار، مما يصعب معه التصديق بأنك في أفريقيا.

ومن أهم الأماكن التي قمنا بزيارتها، كان ميدان جامع ألفانا الذي يضم خليطا من مروضي الثعابين، والرواة، والموسيقيين، والعرافين، والراقصين، والوعاظ، وباعة الماء والطعام، والحواة، وصناع السجاد، ومروضي القردة، والشعراء، والسحرة. كان المكان يعج بالفنون المختلفة التي تقدم أمام الجمهور في عرض متصل من المشاهد الطريفة. وقد أعلنت هيئة اليونسكو أيضا هذا الميدان موقعا تراثيا يضم في إطاره الثقافي “إحدى روائع التراث الشفاهي وغير الملموس للإنسانية”.

لقد كانت رحلتنا تجربة ساحرة بكل جوانبها، وتوحي بجو من التصوف المرتبط بالشرق الأوسط.  إنها من الأماكن النادرة التي يسرك أن تضيع في متاهاتها.